الشوكاني
36
فتح القدير
زادت على السرقة بالحرابة ، وإذا قتل قتل وإذا أخذ المال وقتل قتل وصلب . وروى عنه أنه قال : يصلب ثلاثة أيام . وقال أحمد : إن قتل قتل ، وإن أخذ المال قطعت يده ورجله كقول الشافعي ، ولا أعلم لهذه التفاصيل دليلا لا من كتاب الله ولا من سنة رسوله إلا ما رواه ابن جرير في تفسيره وتفرد بروايته فقال : حدثنا علي بن سهل ، حدثنا الوليد بن مسلم عن يزيد بن أبي حبيب : أن عبد الملك بن مروان كتب إلى أنس بن مالك يسأله عن هذه الآية ، فكتب إليه يخبره أن هذه الآية نزلت في أولئك النفر العرنيين وهم من بجيلة ، قال أنس : فارتدوا عن الإسلام وقتلوا الراعي واستاقوا الإبل وأخافوا السبيل وأصابوا الفرج الحرام ، قال أنس : فسأل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جبريل عن القضاء فيمن حارب ، فقال : من سرق وأخاف الطريق فاقطع يده لسرقته ورجله بإضافته ، ومن قتل فاقتله ، ومن قتل وأخاف السبيل واستحل الفرج الحرام فاصلبه . وهذا مع ما فيه من النكارة الشديدة لا يدرى كيف صحته قال ابن كثير في تفسيره بعد ذكره لشئ من هذه التفاصيل التي ذكرناها ما لفظه : ويشهد لهذا التفصيل الحديث الذي رواه ابن جرير في تفسيره إن صح سنده ثم ذكره . قوله ( ويسعون في الأرض فسادا ) هو إما منتصب على المصدرية ، أو على أنه مفعول له ، أو على الحال بالتأويل : أي مفسدين . قوله ( أو يصلبوا ) ظاهره أنهم يصلبون أحياء حتى يموتوا ، لأنه أحد الأنواع التي خير الله بينها . وقال قوم : الصلب إنما يكون بعد القتل ، ولا يجوز أن يصلب قبل القتل فيحال بينه وبين الصلاة والأكل والشرب . ويجاب بأن هذه عقوبة شرعها الله سبحانه في كتابه لعباده . قوله ( أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف ) ظاهرة قطع إحدى اليدين وإحدى الرجلين من خلاف سواء كانت المقطوعة من اليدين هي اليمنى أو اليسرى ، وكذلك الرجلان ولا يعتبر إلا أن يكون القطع من خلاف إما يمنى اليدين مع يسرى الرجلين أو يسرى اليدين مع يمنى الرجلين ، وقيل المراد بهذا قطع اليد اليمنى والرجل اليسرى فقط . قوله ( أو ينفوا من الأرض ) اختلف المفسرون في معناه ، فقال السدى : هو أن يطلب بالخيل والرجل حتى يؤخذ فيقام عليه الحد أو يخرج من دار الإسلام هربا . وهو محكى عن ابن عباس وأنس ومالك والحسن البصري والسدي والضحاك وقتادة وسعيد بن جبير والربيع بن أنس والزهري ، حكاه الرماني في كتابه عنهم . وحكى عن الشافعي أنهم يخرجون من بلد إلى بلد ويطلبون لتقام عليهم الحدود ، وبه قال الليث بن سعد . وروى عن مالك أنه ينفى من البلد الذي أحدث فيه إلى غيره ويحبس فيه كالزاني ، ورجحه ابن جرير والقرطبي . وقال الكوفيون : نفيهم سجنهم ، فينفي من سعة الدنيا إلى ضيقها . والظاهر من الآية أنه يطرد من الأرض التي وقع منه فيها ما وقع من غير سجن ولا غيره . والنفي قد يقع بمعنى الإهلاك وليس هو مرادا هنا . قوله ( ذلك لهم خزي في الدنيا ) الإشارة إلى ما سبق ذكره من الأحكام ، والخزي : الذل والفضيحة . قوله ( إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم ) استثنى الله سبحانه التائبين قبل القدرة عليهم من عموم المعاقبين بالعقوبات السابقة ، والظاهر عدم الفرق . بين الدماء والأموال وبين غيرها من الذنوب الموجبة للعقوبات المعينة المحدودة فلا يطالب التائب قبل القدرة بشئ من ذلك ، وعليه عمل الصحابة . وذهب بعض أهل العلم إلى أنه لا يسقط القصاص وسائر حقوق الآدميين بالتوبة قبل القدرة ، والحق الأول . وأما التوبة بعد القدرة فلا تسقط بها العقوبة المذكورة في الآية كما يدل عليه ذكر قيد ( قبل أن تقدروا عليهم ) قال القرطبي وأجمع أهل العلم على أن السلطان ولى من حارب فإن قتل محارب أخا امرئ وأتاه في حال المحاربة ، فليس إلى طالب الدم من أمر المحاربة شئ ، ولا يجوز عفو ولى الدم . وقد أخرج ابن جرير عن الضحاك في قوله ( من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل ) يقول : من أجل ابن آدم